مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
192
تفسير مقتنيات الدرر
وسدّ على نفسه أبواب الشهوات انفتحت عليه أبواب الحكمة وتجلَّت له أنوار الجلال فيصير من السائحين في عالم جلال اللَّه وكماله ، ومن المنتقلين من درجة إلى درجة ومن مقام إلى مقام فيحصل له سياحة في عالم الروحانيّات . والقول الآخر في السائحين قال عكرمة ووهب بن منبّه : المراد طلَّاب علم الشريعة ينتقلون من بلد إلى بلد في طلب العلم . وللسياحة أثر عظيم في تكميل النفس بشرط أن تكون السياحة لاستفادة العلم وتحصيل معرفة اللَّه وشواهد الربوبيّة لا لتفرّج شواهد الكفر كما هو معمول عندنا كأسفار الفرنج وإنّما هي التعرّب بعد الهجرة وهو من الكبائر . وكانت السياحة في بني إسرائيل أنّ الرجل منهم إذا ساح أربعين سنة رأى ما كان يرى السائحون وقد يكون السائح يلقى في سياحته من الضرّاء والبأساء ويصبر عليها وقد ينقطع زاده فيحتاج إلى التوكّل على اللَّه وقد يلقى أفاضل مختلفين فيستفيد منهم فوائد مخصوصة وكذلك يرى الأكابر من الناس في الدين فيستحقر نفسه في مقابلتهم فيصل إلى مقامات عالية وتقوى معرفته . الصفة الخامسة والسادسة : * ( [ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ ] ) * والمراد منه إقامة الصلاة وإنّما جعل الركوع والسجود كناية عن الصلاة ، لأنّ سائر أشكال الصلاة في المصلَّي موافق للعادة كالقيام والقعود والَّذي يخرج عن العادة في ذلك هو الركوع والسجود وبه يتبيّن الفضل والتميّز بين المصلَّي وغيره . الصفة السابعة والثامنة : * ( [ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ ] ) * واعلم أنّ كتاب أحكام الأمر والنهي وتفصيله لا يسعه هذا المختصر وفي هذا إشارة إلى وجوب الجهاد سيفا أو عظة لأنّ رأس المعروف الإيمان باللَّه ورأس المنكر الكفر باللَّه ، والجهاد يوجب الترغيب في الإيمان والمنع والزجر عن الكفر والجهاد داخل في بابيه . والواو في قوله : « وَالنَّاهُونَ » للتسوية فإنّ التسوية قد يجيء بالواو تارة وبغير الواو أخرى قال تعالى : « غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ » « 1 » وجاء بغير الواو مع معنى التسوية قال تعالى : « شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ » « 2 » فجاء بعض بالواو وبعض بغير الواو ووجه آخر ذكروا
--> ( 1 ) المؤمن : 2 . ( 2 ) المؤمن : 2 .